ابن ميثم البحراني
34
شرح نهج البلاغة
أكبر وأهمّ ، وأمّا ثانيا فلأنّ مجاهدة الشيطان مجاهدة عدوّ لازم ومع ذلك فلا يزال مخادعا غرّارا لا ينال غرضه إلَّا بالخروج في ذيّ الناصحين الأصدقاء ، ولا شكّ أنّ الاحتراز من مثل هذا العدّو أصعب ، وجهاده أكبر من جهاد عدوّ مظهر لعداوته يقاتله الإنسان في عمره مرّة أو مرّتين . فحسن لذلك تخصيص الجهاد بالأصغر ، ومجاهدة النفس بالأكبر . المعنى الثاني : أنّا وإن قلنا : إنّ الغرض من الجهاد الأصغر هو جهاد النفس إلَّا أنّ جهادها في حال جهاد العدوّ الظاهر قد يكون أسهل وذلك أنّ القوى البدنيّة كالغضب والشهوة يثوران عند مناجزة العدّو طلبا لدفعه ، وتصيران مطيعين للنفس الإنسانيّة فيما تراه وتأمر به فلا يكون عليها كثير كلفة في تطويع تلك القوى . بخلاف سائر العبادات فإنّ طباع تلك القوى معاكسة فيها لرأى النفس . فلذلك كان جهادها في سائر العبادات أصعب وأكبر من جهادها في حال الحرب . واللَّه أعلم . الثالث : كونه لباس التقوى ، ودرع اللَّه الحصينة ، وجنتّه الوثيقة . واستعار لفظ اللباس والدرع والجنّة ثمّ رشّح الاستعارتين الأخيرتين بوصفي الحصانة والوثاقة . ووجه المشابهة أنّ الإنسان يتّقى شرّ العدوّ أو سوء العذاب يوم القيامة كما يتّقى بثوبه ما يؤذيه من حرّ أو برد ، وبدرعه وجنّته ما يخشاه من عدوّه ، ثمّ أردف عليه السّلام ممادح الجهاد بتوعيد من تركه رغبة عنه من غير عذر يوجب تخلَّفه بأمور منفور عنها طبعا : منها : أنّه يستعدّ بالترك لأن يلبسه اللَّه ثوب الذلّ . واستعار لفظ الثوب للذلّ ولفظ اللباس لشموله له . ووجه المشابهة إحاطة الذلّ به إحاطة الصفة بالموصوف كإحاطة الثوب بملابسه ، وأن يشمله بلاء العدوّ فيذلَّله بالصغار والقماء ، وأن يضرب على قلبه بالأسهاب أي يذهب وجه عقله العمليّ في تدبير مصالحه : أمّا لحوق الذلّ به فذلك أنّ كثرة غارات العدوّ وتكرّرها منه موجب لتوهّم قهره وقوّته وذلك ممّا ينفعل عنه النفس بالانقهار والذلّ . وحينئذ تذعن لشمول بلائه ، وتذهب وجه عقلها في استخراج وجوه المصالح في دفعه ومقاومته إمّا لقلَّة اهتمامها بذلك عن عدم طمعها في مقاومته أو لتشويشها لخوفه عن ملاحظة وجه المصلحة . وفي إطلاق لفظ الضرب على قلبه استعارة كقوله تعالى « وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ » ( 1 )
--> ( 1 ) 2 - 58